ابن الأثير
285
الكامل في التاريخ
أخذ الموصل وغيرها ، وأطمع نور الدين أيضا في أن يعطي هذه البلاد ، إذا ملكها ، لولده الّذي هو زوج ابنة نور الدين ، ويكون مقامه في خدمته بالموصل ، واستقرّت القاعدة على ذلك ، وتحالفا عليها ، فبادر العادل إلى المسير من دمشق إلى الفرات [ 1 ] في عساكره ، وقصد الخابور فأخذه . فلمّا سمع نور الدين بوصوله كأنّه خاف واستشعر ، فأحضر من يرجع إلى رأيهم وقولهم ، وعرّفهم وصول العادل ، واستشارهم فيما يفعله ، فأمّا من أشاروا عليه بذلك فسكتوا ، وكان فيهم من لم يعلم هذه الحال ، فعظّم الأمر وأشار بالاستعداد للحصار ، وجمع الرجال ، وتحصيل الذخائر وما يحتاج إليه . فقال نور الدين : نحن فعلنا ذلك ، وخبّره الخبر . فقال : بأيّ رأي تجيء إلى عدوّ لك هو أقوى منك ، وأكثر جمعا ، وهو بعيد منك ، متى تحرّك لقصدك تعلم به ، فلا يصل إلّا وقد فرغت من جميع ما تريده ، تسعى حتّى يصير قريبا منك ، ويزداد قوّة إلى قوّته . ثمّ إنّ الّذي استقرّ بينكما أنّه له يملكه أوّلا بغير تعب ولا مشقّة ، وتبقى أنت لا يمكنك أن تفارق الموصل إلى الجزيرة وتحصرها والعادل هاهنا ، هذا إن وفى لك بما استقرّت القاعدة عليه لا يجوز أن تفارق الموصل ، وإن عاد إلى الشام ، لأنّه قد صار له ملك خلاط وبعض ديار بكر وديار الجزيرة جميعها والجميع بيد أولاده ، متى سرت عن الموصل أمكنهم أن يحولوا بينك وبينها ، فما زدت على أن آذيت نفسك وابن عمّك ، وقوّيت عدوّك ، وجعلته شعارك ، وقد فات الأمر ، وليس يجوز إلّا أن تقف معه على ما استقرّ بينكما لئلّا يجعل لك حجّة ويبتدئ بك . هذا والعادل قد ملك الخابور ونصيبين ، وسار إلى سنجار فحصرها .
--> [ 1 ] الفراة .